السيد محمد باقر الصدر

30

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 )

وتوضيح ذلك : أنّ كلّ حرمةٍ واقعيةٍ لها ملاك اقتضائي ، وهو المفسدة والمبغوضية القائمتان بالفعل ، وكذلك الأمر في الوجوب . وأمّا الإباحة فقد تقدم في الحلقة السابقة « 1 » أنّ ملاكها قد يكون اقتضائياً وقد يكون غير اقتضائي ؛ لأنّها قد تنشأ عن وجود ملاكٍ في أن يكون المكلّف مطلق العنان ، وقد تنشأ عن خلوّ الفعل المباح من أيِّ ملاك . وعليه فإذا اختلطت المباحات بالمحرّمات ولم يتميّز بعضها عن البعض ، لم يؤدِّ ذلك إلى تغيّرٍ في الأغراض والملاكات والمبادئ للأحكام الواقعية ، فلا المباح بعدم تمييز المكلّف له عن الحرام يصبح مبغوضاً ، ولا الحرام بعدم تمييزه عن المباح تسقط مبغوضيّته ، فالحرام على حرمته واقعاً ولا توجد فيه سوى مبادئ الحرمة ، والمباح على إباحته ولا توجد فيه سوى مبادئ الإباحة . غير أنّ المولى في مقام التوجيه للمكلّف الذي اختلطت عليه المباحات بالمحرّمات بين أمرين : إمّا أن يُرخّصه في ارتكاب ما يحتمل إباحته ، وإمّا أن يمنعه عن ارتكاب ما يحتمل حرمته . وواضح أنّ اهتمامه بالاجتناب عن المحرَّمات الواقعية يدعوه إلى المنع عن ارتكاب كلّ ما يحتمل حرمته ، لا لأنّ كلّ ما يحتمل حرمته فهو مبغوض وذو مفسدة ، بل لضمان الاجتناب عن المحرّمات الواقعية الموجودة ضمنها ، فهو منع ظاهريّ ناشئ من مبغوضية المحرّمات الواقعية والحرص على ضمان اجتنابها . وفي مقابل ذلك إن كانت الإباحة في المباحات الواقعية ذات ملاكٍ لا اقتضائيّ فلن يجد المولى ما يحول دون إصدار المنع المذكور ، وهذا المنع

--> ( 1 ) ضمن بحث ( الحكم الشرعي وتقسيمه ) من مباحث التمهيد ، تحت عنوان : مبادئ الحكم‌التكليفي .